top of page
بحث
  • صورة الكاتبBooks عناوين

التقنيات الجمالية لقصيدة الومضة في ديوان (صوتك همسة شاعر)

قراءة || هشام شمسان/ عناوين بوكس:



▦ تعد قصيدة "الومضة" شكلاً مصغرًا من الشعر، ويتميز بالاقتصاد في اللغة، والتكثيف الإيحائي، وبالتركيز على التفاصيل الصغيرة واللحظات العابرة، والحميمية في الحياة، و يسعى الشاعر من خلاله إلى استخلاص الجوهر الإنساني، والمشاعر الوجدانية العميقة، في إطار محدود من الكلمات، لذلك هو مناسب للتعبير عن المشاعر الشخصية، والتجارب الشعرية العاطفية، والحياتية، التي تستحضر طاقات الخيال؛ فتدهش، وتحرك طاقة الانفعال؛ غوصاً وراء ظواهر الأشياء..

▦ ويعتمد هذا النمط الشعري فنيّاً على آلية كسر التوقع، أو المفارقة الجمالية التي تتكئ على التناقضات، أو الاستثناءات، بما تولدها من مفاجآت، تعزز التأثير العاطفي، وتساهم في إثارة حاسة التلقي، والتأمل لدى القارئ . .

ويسعى هذا النمط الشعري إلى إيصال رسالة شاعرية مؤثرة، إن كتب في إطار التقنيات الفنية المحددة له، لذلك يعتبر هذا النمط من الشعر تحدياً للشعراء الذين يبحثون عن التميز، والإبداع، وفق شروطه الفنية .

▦ وتأسيساً على هذه التوطئة العجلىٰ نستطيع أن نعطي حكماً نقدياًّ أولياً على ديوان " صوتك همسة شاعر" للشاعر اليمني وثيق القاضي، والذي يعد معبراً حقيقياًّ عن هذا المصطلح الشعري الذي نتحدث عنه، بما يتضمنه من نصوص ترقى إلى مستوى قصيدة الومضة، بمحمولاتها الفنية، الجمالية، والشعرية، وبما تحقق من كشوفات مضمونية لمفهوم الومضة الشعرية :

•• "حين يحاول القلق اغتيالي

أفر من أعمق نقطة

في قلبي

إلى أقرب نقطة في شفتيك"

.........

▦ تنبني قصيدة الومضة على اللحظة الانفعالية المكثفة، والمفارقة الإيحائية، التي تُحدث تناقضًا بين التوقع، والواقع ؛ بسبب من الانتقالات الشعورية المفاجئة، التي تحدث استثناء دلاليا في القاعدة، يؤدي إلى تحقيق إثارة مركزة لدى القارئ .

وفي نحو هذا النص نجد اللحظة الانفعالية، بمفارقتها الدلالية، تكمن في كيفية تحويل (الهروب) من القلق والابتعاد عن الألم، إلى (الاقتراب) من الشفتين؛ كمصدر دافئ للأمان والراحة، والاستقرار النفسي؛ إذْ نلحظ انتقالا مفاجئا من القلق والاضطراب إلى الرغبة في الاقتراب، والاستقرار. وكانت الشفتان هما نقطة الهدف. ووظفت كلمات مثل "اغتيالي" و"أعمق نقطة في قلبي" و"أقرب نقطة في شفتيك" لإبراز الشعور بالتوتر العاطفي والرغبة العميقة في الهروب، والاقتراب (معاً) في نفس الوقت، وهو نوع من التضاد العواطفي بين القلق والاغتيال، والهروب، وبين الأمان والحب، بالتوجه نحو الشفتين. هذا التضاد هو الذي يولّد مفارقة كسر التوقع لدى القارئ؛ فيحفز الانفعال لديه.

▦ وإذا كان هذا اللون من الشعر يعتمد على بلاغة "التكثيف" فإن الاختزال، والإيجاز، هما العمودان الرئيسان لمفهوم التكثيف الذي من عوامله: الاقتصاد اللغوي، وقوة التعبير الإيحائي، والانتقال السريع بين الأفكار، والمقارنة، والاستثناء، بما يحقق أكبر قدر من الحساسية، ومن باعثية المشاعر..

لنتأمل هذا النص :

"كل

المرضى

يذهبون إلى الطبيب

إلا أنا..

أذهب إليك."

..........

في هذا النص الومضي يتم استخدام الإيجاز بشكل واضح، وفاعل دلاليا؛ لنقْل الفكرة الأساسية ؛ بحيث يتجاهل الشاعر جميع التفاصيل، والشروحات، والتعقيدات، ويقدم الفكرة الأساسية بشكل مباشر ومركز، وهذا الاختزال أوجبه تكثيف المعنى، الذي عزز المفارقة، والاستثنائية ، وأبرز خاصية التضاد بين زيارة الشاعر للحبيبة، وزيارة المرضى للطبيب. فاستخدم الشاعر الحبيبة كمصدر للإلهام، والشغف، والشفاء الوجداني.. فبينما يلجأ الناس للأطباء، بحثاً عن الدواء، وطلباً للاستشفاء، يجد الشاعر شفاءه بالقرب من المعشوقة؛ كمصدر وحيد للدعم النفسي، والعاطفي، وتأكيدٍ على مبدأ الرغبة في التفرد، وعدم الالتزام بالأنماط البشرية العامة. وباستخدام الشاعر لأسلوبي المقارنة، والاستثناء، اختار الاستثنائية، في التميز، بتركيزه على الشغف العاطفي كوسيلة للشفاء .

الرسالة التي يحاول الشاعر إيصالها هنا هي أن العلاقات العاطفية القوية، يمكن أن تكون مصدرًا للشفاء والراحة الوجدانية :

...........

•• "تضحكين

فتتزين السماء

بالنجمات،

وتمطر قُبـَلاً.."

......

مما تحتفي به قصيدة الومضة الرمز الإيمائي، أو الإشاري.. وفي سياق الومضة السابقة، يمكن فهم ضحكة الأنثى كرمز للجمال، والقوة السحرية، التي تبث الفرح، والبهجة في النفس، وهي هنا تتجاوز رمزيتها النفسية- بما تولده من إشعاع فيها- فتؤثر على السماء- كذلك- فتشخصها بطريقة خاصة، وتجعلها تتزين بالنجمات استجابة لهذا الجمال، وهذا السحر؛ فتبدو أكثر إثارة، وجاذبية؛ حيث فتمطر زخات من القبل كرد فعل عاطفي ناتجٍ عن تأثير الضحكة. وقد تؤول تلك القبل كرمز حميمي للعاطفة التي تحملها تلك الأنثى- أيضا- فتنتشر على هيئة قبلات مطرية .

..................

▦ نماذج مختارة

(1)


"أنتِ

غير كل النساء

عندما قال الله كوني

غردت الملائكة."

(2)


"جميع الفتيات

ينظرن لجمالهن عبر المرايا

إلا أنتِ

المرايا ترى جمالها

في عينيك.."

(3)


"كل

العاشقين

يضعون على أصابعهم خاتما

عند القِران

إلا أنا

وضعتكِ

خاتما لقلبي.."

(4)


"من يقنع الفقر

أن ضحكتك

تكفي لأصبح أغنى رجلٍ

في العالم.."

(5)


"من يقنع النحل

أن الزهر

يسرق رحيقه

من ثغرك..؟"

...........


▦ الديوان صدر حديثاً عن دار عناوين بوكس، في القاهرة، ويعد باكورة إصدارات الشاعر اليمني، وثيق القاضي، ويقع في (98) صفحة. طبعة أولى (2023) .


٧٩ مشاهدة٠ تعليق

Comments


bottom of page