بحث
  • Books عناوين

حسين مقبل في " أفلُتُ مني": مكنـونـات الذات، وملاذات الأنوثـة



(عناوين بوكس)

قراءة ، هشام شمسان

• تستقصي نصوصُ الشاعر، حسين مقبل، بأنماطها، وخصائصها الكتابية - التي يبدعها خارج الشكل العمودي، والتفعيلي - نهجاً أفقياً نحو التوسع في كتابة ( قصيدة النثر) الجديدة.

ويتجلى كتابه الأخير، الصادر عن منشورات " عناوين بوكس" بكونه عملاً أدبياًّ يمزج بين فني "قصيدة النثر "( الشعر الحر)، والخاطرة الأدبية المشعورة، بنصوص مستقلة عن بعضها البعض؛ كان الغالبية فيها لقصيدة النثر  (1) ، وهو الأمر الذي قد يحفز الشاعر مستقبلاً إلى الاستقلالية بعمل شعري متكامل متعاضد البناء ؛ لأننا لاحظنا في نصوص "حسين" محاولته المستميتة الإمساك بتلابيب القصيدة الحديثة، من خلال إصراره على التخلص من سيطرة الخاطرة الأدبية، الشعرية، والبقاء- ما استطاع إلى ذلك سبيلاً- بمحاذاة القصيدة؛ حيث رأينا كثيراً من نصوصه تتساوق مع مفاهيم قصيدة النثر ،كهذا النص الذي أخذ منه الشاعر عنوان مجموعته :

" أَمد يَدِي في الفراغِ/ألمسهُ/ باحثاً فيه عني/ أتحسسهُ كشيخٍ كفيف

أضيعني مراراً / كلما اقتربت من الاهتداء إليَّ / ويدي / يدي التي تنسى في أي الاتجاهات أنا؟!

تتوه مني/ تسقط في عقرِ العتمة

أجزائي/ تسقط، لكن ليس تباعاً

بل دفعة واحدة / دفعة واحدة / كسقوط الطريق في عقرِ التيه/ التيه الذي حفظت ملامحه / ونسيت فيه وجهي ...."

                 ( نص أفلُت مني)

..........

نحن امام نص متماوج، مفتوح التأويل، تتراءى فيه بنى" التوهج، والكثافة، والإشراق"( أبعاد رئيسية لقصيدة النثر). ومن منظور إيحائي دلالي نجد  ذات الشاعر تتماهى مع مكونات وجودية، وتجريدية، وفلسفية تنعكس بتجلياتها الإنسانية عبر مولدات العدم، والبؤس، والعتمة، والفراغ، والتيه...وهذه المكونات تشكل فلسفة الهم الذي يتعانق به الشاعر عبر ذاته القلقة .

ولم تكن النصوص منغلقة على ذات كاتبها فحسب؛ بل تجاوز ذلك إلى التعبير عن هموم الواقع الوطني، والسياسي، والاجتماعي:

"الوطن المطمور تحت ركام أوردتي

هو ذاته المدسوس بين شقوق مأساتي الجافة 

المتواري خلف ألسنة الشوق في مهجة الذكريات ..

هو نفسه الوطن المحشور في قناني الموت

في عبوة المولوتوف 

وفي فتيل القنابل الصوتية

الحارقة ...."

                   ( مأساتي الجافة)

.........

شاهد كيف يدس أوجاعَه في الوطن، ويدس الوطنَ في أوجاعـه؛ فيشتجران، وينعجنان معًا ليكونا هماًّ مشتركاً واحداً، فيصبح الشاعر والوطن واحدين بمتلازمات التشابه في الشوق، والذكريات، والجفاف، وركام الدم الموزع في متفجرات الموت المزروعة في أرجائه، وأقطاره ..

• ولا ينسى الشاعر همه الوجداني، والعاطفي ليأتي الحب في خطرات متأملة، تقترب بعضها من فضفضة الهواجس، والأحاسيس التي تقع في نطاق الانفعال بوجودية الأنثى، وتمظهراتها الحسية، وملاذاتها  المعنوية :

" تعالي يا عَزيزتي/ فلنحصي عدد القُبل / نحصي كم منها قد زرعنا في شفاهِ بعضنا هذا المساء / وكم قُبلة حصدنا في الليالي الماضية ؟

لنحصي / كم من الشعور بالقلق/ تجاوزنا مع كُل قُبلة / وكم سعرةٍ حرارية أزهقنا / وكم من سنوات الشيخوخة دحرنا تقدمها !؟

لكن / لدي اقتراح آخر ...."

                        (رياضة القبل)

.......

"قصيدة النثر" عادة لا تخاطب الأنثى خطاباّ مباشراً، وإنما يمتزج الخطاب الذاتي، بالأفق الفلسفي، ومكونات الطبيعة الوجودية للأشياء من حولنا ، وحين تصطدم قصيدة النثر بالمباشرة الخطابية، يكون قد هبط بها المعادل إلى أفق  الغنائية، والرومانسية التي هي من خصائص التفعيلة، ووزن البحر، وخاطرة الشعر (2)

ولكن هذا لا يعني أن جميع النصوص المتعالقة بخطاب الأنثى بهذا التجريد؛ فثمة نصوص أخرى تتعالى فيها الخطابية على مستوى التجريد، إلى الذهنية التأملية، فيمتزج فيها خطاب الأنوثة بأبعاد فلسفية، تأملية :

"هذا القلب الذي كان راكدًا كبركةٍ في صدري /هاجَ و تمدد / وأصبح كبحرٍ مُضْطَرِبٍ / حال مجيئك./ لو كل النساء مثلكِ/ لكانَ جميع الرجال شعراء ...."

صدقيني/ القلب السليم / هو ذلك الذي يضخ الحب دون/ توقف / كما هو حاله مع الدم / العاشق لا يرى الأشياء على ما هي عليها / بل على ما هو عليه .

                          (رسائل)

.......

ثمة فرق بين النصية السابقة، واللاحقة، فبينما كان في السابق ينقل إلينا جماليات ومشاعر القبلة بلغة متوقدة جنسياً، ورومانسياً؛ هنا نجده يسرد مشاهد عاطفية عامة، بلغة فلسفية، تنقصها التجربة الحسية للشعور .

• لقد تمثلت الأنثى في نصوص الشاعر في صورتين :

▦ أولاهما : الأنثى الواقعة في نطاق الأمل الذي يتطلع إليه، ويتمنى الوصول إليه :

" أحتاج الآن لأدوات هندسية:

فرجلٍ/ مسطرةٍ/ وأشياء أخرى لا أعرفها/ كي أرسم ملامحكِ/ فالقلم بمفرده أصبح عاجزًا أمام هذا الكم من الجمال/ والقصيدة مهما حاولت حشو جسدها بكِ/ إلا أنها تبدو جامدة / أحتاج لأن أرسمكِ الآن/ الآن أكثر من أي وقت مضى

فأنفخ في جسد اللوحة روحي

وأحتضنكِ بعدها ...."

                         (رسم)

▦وثانيهما: الأنثى الواقعية الحضورية، التي تدير الأحاسيس وتشعلها، بالمشاركة، والقرب الجسدي، حيناً، والبعد حيناً آخر :

  " تعالي إذن / نعود إلى التقبيل

ونمارسه كرياضة ( رياضة القُبل)

لنمارس هذه الرياضة الأنيقةواللذيذة / ذات الوظيفة البيولوجية العظيمة / و التي تعمل على تقوية عضلات الفم......"

                      (رياضة القبل)

°  تقترن الأنثى- في نصوص الكاتب- بصور مقاومة اليأس، والتدفق، والأمل ،والاشتعال الروحي، والرغبة الحسية، وحب الحياة، ومقاومة الخواء القلبي.

وظهرت الأنثى كعاطفة عشقية في الكتاب، بتعداد  فاق الـ(10).نصوص؛ حيث تضمنت المجموعة برمتها( 25 ) نصاً، منها (11) نصاً، في خطاب الأنثى.

----------

عن الشاعر :



"حسين مقبل" شاعرٌ، يمني، ولد في محافظة تعز،  قرية حصبان التابعة لمديرية المسراخ في ريف تعز، التي قضى فيها فترة الطفولة والشباب، والدراسة، قبل أن ينتقل إلى مدينة تعز في عام 2008 لمواصلة الدراسة الجامعية في كلية العلوم (مختبرات طبية).

• في عام 2012 انتقل حسين إلى العاصمة صنعاء، ولكنه لم يبق فيها أكثر من سنة، ليتنقل بعدها بين دول أفريقية عدة، مثل ليبيا والصومال وتشاد وكينيا وتونس… عمل خلالها في مجال حقوق الإنسان.

انتقل في عام 2016 إلى ألمانيا.

  •   أصدر أول مجموعة شعرية له بعنوان "أصافح ظلي" (2019).

  • "شيخوخة الريح"، الآن ناشرون وموزعون، 2021

  • " أفلت مني" عن دار عناوين بوكس، القاهرة، 2022م .

°°°°°°°°°

إحالات :

(1) احتوى الكتاب على خمسة نصوص، مما يمكن إدراجه في نطاق الخاطرة الأدبية المشعورة، وجُمعت معظمها في نهايات الكتاب، وجاء نص "فرصوفيا" على شكل مقالة، تتخللها منظومات شعرية، وخواطر .

(2)  أشير بذلك إلى النصوص التي اقتربت من الخاطرة الشعرية، ولم تكن على نظام قصيدة النثر بالتمام، بل في نسق المحاذاة، والمجاورة .

٣٢ مشاهدة٠ تعليق