بحث
  • Books عناوين

"سندس منصر" في إصدارها الأول: "ليلة من ليالي نيسان" ..الخاطرة الأدبية، ورؤيوية البوح



عناوين بوكس/قراءة، هشام شمسان:


ثمة من يصنف الخاطرة كفن أدبي يقع بين القصة القصيرة، والشعر الحر ،أو القصيدة النثرية ، ويعتبرها البعض فناً أدبياً يتشابه ويختلط في مضمونه وأسلوب كتابته مع القصّة القصيرة، والقصيدة النثريّة.

ولعل نحو هذين التصنيفين يعودان -أحياناً- إلى طريقة الكتابة ذاتها :

- فثمة خواطر تتخذ من بعض أسلبة القص، كالسرد مثلا، آلية ﻹنتاج الفكرة وتكتب على شكلها السطري التام، مع تطعيمها بأﻷلوان البلاغية، والانفعالية المناسبة .

وثمة خواطر تكتب على نمط الشعر الحر (القصيدة النثرية)، بشكله المشطر ..

ولكنها -مع ذلك- لا يمكن أن تكون شعراً؛ لاعتمادها على الحدث العرضي ،والكم القائم على تفصيل الأحاسيس، وتدويرها، فحسب، وعدم الالتزام بآليات النص الشعري، إلا من حيث هو بلاغة ومجاز فقط .

□ فماهي الخاطرة الأدبية إذاً ؟

هي باختصار، ووضوح :فن أدبي يتميز بالانفعالية والوجدانية، وتدوير الأحاسيس، ولايميل إلى بسط الكلام، وإطالته؛ إسهاباً فيه، بل إن الاختصار سمة له ،وسطر واحد قد يصنع منه الكاتب منه خاطرة، ولها جميع المقومات الفنية وآليات الخاطرة الفنية الأدبية، المركزة، كقول أحدهم :

■ في دستور الكبرياء، الاهتمام بِمن لايهتم بك إهانة "..

ومن المهم أن نوضح أن الخاطرة الأدبية- في فكرتها- لا تحتمل الاتفاق ،أوالاختلاف، كما في المقالة السياسية، مثلاً، أو الفكرية، ولا تميل للتفاصيل، كما في المقال التقريري؛  فليس ذلك من سمات الخاطرة الأدبية التي تتطلب تركيزاً واختصارًا يتوافق مع الهدف، واليقظة الوجدانية ، واﻹبهار الفني، والتشويق، وخصوبة الخيال ،وتماسك النص ( بداية ونهاية) .


▦ وحين نتأمل في مجموعة "ليلة من ليالي نيسان" للكاتبة سندس عبد الخالق منصر، الذي يضم أكثر من أربعين نصاً، وصدرت مؤخراً عن دار "عناوين بوكس"، سنرى بأن لغة الكتاب - في معظم نصوصه- مؤطرة بطابع الغنائية(*) بتجميعٍ للمشاعر المتناثرة، والمتفرقة حول تجربة ذاتية معينة، ثم انسيابها مع العواطف الوجدانية لتؤلف منها منظومة الثيمات الداخلية، كالغربة، والحنين، والوحدة، والوطن، والحرية، والرغبات، والدم، ورائحة القهوة، والوجوه القديمة، والليل ، والحلم ، والبحر، والمدينة، والأم ....الخ


▦ كتاب "ليلة من ليالي نيسان" أقرب إلى الخواطر الأدبية، منه إلى الشعر، حتى وإن رأينا فيه نصوصاً- وإن كانت قليلة- تكاد تنتظم وتتماهى مع الشعر..

لكن هذا لا يعني التقليل من أهميته كخواطر أدبية. فالخاطرة- بهذا المستوى المتقدم: لغة، وبناءً، وإيحاءً، ودلالةً - لاتقل أهمية، وشأناً عن الشعر باعتبارها صورة موحية تعبر عن تجربة، أو حالة شعورية، وانفعالية، وجدانية، أشبه بحالة الشاعر .

وعليه؛ فيصح- من وجهة نظر فنية- أن تُصنّف هذه النصوص الأدبية في نسقية الخواطر الشعرية؛ تبعاً للنزعة الجمالية التي يقوم عليها هذا البوح الأنثوي الوجداني، ذو اللغة المتفاوِتةِ بين الشعرية المباشِرَة، والشعرية البسيطة، والشعرية المركبة العميقة.."

▦ لنعاين هذه الشذرة المدورة :

"الدّمُ يجـري في الجـدارِ
إلى أينَ نذهبُ؟
والأرضُ تُظلمُ في النهارْ.."

..............

إنه مقطع شعري تفعيلي بامتياز، ،ويرتكز على معطيات الشعرية بكل حمولاتها سواء من حيث النظام الخارجي الشكلي المؤطر بتفعيلة الكامل،  أو البنية اللغوية الإنزياحية، أو من حيث دلالته التأملية العميقة التي تطرح أسئلة الموت، والحيرة، والحرب، والدم، والدمع ، والعويل، واليأس، والأسى ..


وفي بعض المقاطع القصيرة المتضمَّنةِ كمشاهدَ داخل مقاطع  ( في خاطرة طويلة) نلحظ أحياناً فضاء قصيدة النثر (الشعر الحر) يتواتر بوضوح، كهذه الومضة- الشعرية المقتطعة من نص( الحرية) - التي تتجلى فيها رؤيوية البوح، ودهشة التختيم :

"العصفور الذي انبثق من دمّ صنعاء ووعودها صار يتساءل :

هل أنا في فضاء، أم في قفص.."؟


▦ الحقيقة التي يجب أن تعرفها الكاتبة أن هناك مجموعة من النصوص، أو المقاطع المنضوية في سياقات نصوص أخرى ، لواستقلت، وفُصِلت عن المجموعة الكلية، لَشكّلتْ مجموعة شعرية منفردة من قصائد النثر (الشعر الحر)، بعد إجراء بعض التهذيب، والصقل، والمراجعة البنائية عليها. ومن تلك المقاطع المنفصلة بعناوينها، التي تنضوي تحت مفهوم الشعر الحر، أو "قصيدة النثر"، هذا المقطع :


« رغباتُنا المتروكة في شوارع المدينة
في إشراقة الشمس الباردة
ورائحة القهوة
في حُقول القمح وصوت الصباح
تلك التي أهملناها في قُصاصات مُعلقة في جدار ثابت
رغباتنا المُخبأة خلف دعوات الأمهات
ستُلامس سقف السّماء يوماً
سنصل يوماً ما..
رُبما!..».

••••••••••••••

 

(*) نعني بالغنائية هنا : وجدانية الانفعال، وميله للعاطفة، وحشد الأحاسيس في المنظومة الكتابية، سواء كانت شعراً، أم خواطر أدبية، أم خواطر شعرية..

٨٠ مشاهدة٠ تعليق