top of page
بحث
  • صورة الكاتبBooks عناوين

قراءة "سيميائية" في نماذج من الرواية اليمنية

عرض|| هشام شمسان/عناوين بوكس:




○ يمكن القول بأن الرواية اليمنية شهدت أوج ازدهارها، ونموها، وتطورها خلال العشرين سنة الماضية، وصارت جزءاً من الظاهرة العربية. فكتاب الرواية في اليمن يسعون جهدهم إلى تجاوز القوالب التقليدية، واستكشاف أساليب، وتقنيات جديدة في كتابة الرواية، واستخدام تقنيات مبتكرة في تناول الأحداث، وتطوير الشخصيات، ومفاهيم الأزمنة، والأمكنة، فسلطت الضوء على قضايا كثيرة : سياسية، واجتماعية، وثقافية، واقتصادية، مثل الفقر، والحرب، والهجرة، والانقسامات، الاجتماعية، والتمييز، والهوية، والعدالة الاجتماعية، والقيم والعادات، والتقاليد، والمرأة، والعلاقات الإنسانية. بما يجعل من الرواية اليمنية- المتسارعة الإنتاج- مصدرًا هامًا لفهم وتوثيق مثل هذه القضايا. وهذا التنوع في الكم، وفي النوع ساهم كثيراً في إثراء المشهد الأدبي اليمني، وجذب اهتمام القراء المحليين، والعرب. وقد ساهمت وسائل النشر الرقمية والاجتماعية، ومواقع التدوين في توسيع نطاق توزيع الروايات اليمنية وجعلها أكثر وصولًا إلى القراء في الوطن العربي .

○ نشير إلى أن بعض الروايات اليمنية حظيت بالاعتراف والتقدير على المستوى الخارجي، حيث تم ترجمة بعضها إلى عدة لغات ونشرها خارج اليمن، وهذا يساهم- أيضاً- في رفع مستوى الوعي بالرواية اليمنية، وتعزيز مكانتها في الساحة الأدبية عامة .

إلى جانب الاهتمام الذي انعكس على مستوى الدرس النقدي، من قبل نقاد يمنيين وعرب؛ بحثاً عن تقنياتها، واستكشافاً لقوالبها الفنية، والجمالية، والموضوعية.


○ ويعد كتاب "قراءة سيميائية في نماذج من الرواية اليمنية" للدكتورة، عائشة عبد الله المزيجي، هو أحد تلك المؤلفات التي احتفت بالرواية اليمنية، باستقصائها لأربع روايات؛ لاثنين من كتاب السرد اليمنيين، هما الروائيان: وجدي الأهدل، وبسام شمس الدين؛ فللأول : (حمار بين الأغاني، وفيلسوف الكرنتينة)، وللآخر : ( نهاية رجل غاضب، ولعنة الواقف).

واعتمدت في نقدها للنماذج الروائية الأربع المنهج السيميائي "للكشف عن رؤى الأحداث بتشغيل البنية السطحية والعميقة، من خلال الوقوف على المربع السيميائي ومافيه من تخالف وتناقض، يسهم في التوصل إلى الدلالة التي تهدف إليها الرواية.."( ص6)

○ وتوزع الكتاب الذي يربو على (60) صفحة، والصادر مؤخراً عن (عناوين بوك، في القاهرة) بين خمسة محاور ، بمصطلحات منهجية سيميائية هي على التوالي:

المحور الأول : المستوى السطحي والعميق.

قبل أن تخوض الكاتبة في تحليلها لهذا المحور، تورد تعريفاً لمفهومي (السطحي، والعميق) بحسب ما ذكره غريماس، فتقول" للنص مستويان: المستوى السطحي، والمستوى العميق، ويعرف السطحي «بالبناء الخارجي للنص القابل للمعاينة والملاحظة، ويؤسس للوصول إلى المستوى العميق، وينظم محتوياته الأولية الدالة على نحو تجريدي. وفي المستوى العميق يتم استكناه الشكل الميتافيزيقي لنص معطى، وهو مجموع القواعد التي أوجدت عير المسار التوليدي المستوى السطحي وتتحكم في مساراته" (ص10)

ويمكننا أن نقول بأن غريماس قصد بالمستوى السطحي؛ ذلك المستوى الذي يشير إلى الجوانب الملموسة والظاهرة للنص، في حين يرتكز المستوى العميق على الدراسة والتحليل الميتافيزيقي للنص والقواعد التي تحكم تكوينه؛ أي دراسة النص بعيدًا عن الجانب الظاهري .


○ وقد ارتكز تحليل المحور الأول على البنى العاملية في الرواية؛ أي إلى تنظيم، وهيكلة الأحداث والعناصر السردية في المحكي، وهي الطريقة التي يتم بها تقديم قصة الرواية، وترتيب الأحداث، والتطورات التي تنشأ، وتتواصل بالسرد .وتعد البنية العاملية هي أحد المكونات الأساسية للرواية، حيث يتم بناء العمل الروائي على أساسها. إنها أشبه بإطار يحتوي على عناصر مثل المقدمة، والتصاعد، وصولا للتوتر، والذروة، والهبوط، والنهاية. ويمكن أيضًا تفصيل البنية العاملية إلى فصول أو أجزاء أو مشاهد.

○ وفي تحليلها للجانب السطحي للروايات اعتمدت على مكونين رئيسين هما:

المكون السردي، والمكون الخطابي؛ فالأول جانب يتعلق بسرد الأحداث والحكاية في النص، وفي ترتيب الأحداث وتسلسلها، وتطور الشخصيات والعقدة، والتسلسل الزمني، ووصف الشخصيات، والأحداث...

أما الآخر فيركز على الجوانب اللغوية والأسلوبية في النص، وبالطريقة التي يتم بها التعبير عن الأفكار، والمشاعر، والمواقف في النص...

وهما مكونان مترابطان ويتعاونان لخلق تأثير النص وتوجيه المعنى؛ لأن المكون السردي يروي الأحداث ويطور القصة، بينما المكون الخطابي يستخدم اللغة والأسلوب للتعبير عن المشاعر، والأفكار وخلق تأثير بصري، وتجربة لدى المتلقي .


▦ المحور الثاني : سيمياء العنوان.

العنوان يشير سيميائياً إلى استخدام الرموز والعلامات في عنوان العمل الأدبي، سواء كانت رواية، أو قصة قصيرة، أو قصيدة، لنقل رسائل ومعانٍ إضافية وإثارة فضول القارئ.

يتم استخدام السيمياء في العنوان لإيجاد تأثير إضافي وجذب القارئ من خلال تنشيط فضوله وتشويقه. يمكن أن يتضمن العنوان تمويهات رمزية أو انتقالات معنوية، تعكس جوانب معينة من القصة أو الشخصيات أو المغزى العام للعمل الأدبي.

وقد تناولت الناقدة عنوان رواية (حمار بين الأغاني) ؛ متحدثة عما يحمله من مفارقات، قائلة " يبدو تمويه عنوان حمار بين الأغاني، إزاء الجمع بين جهل الحمار وإيقاعات الأغاني، التي تستوجب متلقياً واعياً يملك إحساساً بها. وهو أسلوب ساخر أدعى لضحك غير كوميدي، يفتح آفاق توقعات محتوى المقاطع السردية، من الهموم الاجتماعية والسياسية" (ص42)

وخلصت إلى القول بأن دلالة العنوان "مرتبطة بمدلول المبنى الحكائي" ويحيل إلى معنى الجهل .

أما (اللعنة) في رواية (لعنة الواقف) ، فقد استنتجت منها عددًا من الرموز والإحالات كان أهمها وقوفها على مجموعة السلبيات التي ظهرت في أدوار وسلوكيات الشخصيات، فاستحقت اللعن تبعاً لتلك السلوكيات .


▦ المحور الثالث : سيميائية الأسماء والشخصيات.

تستخدم الأسماء والشخصيات في الأدب كرموز، تحمل دلالات ومعانٍ إضافية تتجاوز مجرد تسميتها. ويعد استخدام السيميائية في الأسماء والشخصيات واحدًا من الأدوات التي يمكن استخدامها لإضفاء طابع إيمائي رمزي على الشخصيات لتعزيز المغزى العميق للعمل الأدبي.

بالإضافة إلى الأسماء، يمكن استخدام السيميائية في تصوير وصف الشخصيات، وتفاصيلها المظهرية، وسماتها الجسمية، والتصرفات، والملابس التي ترتديها. يمكن أن تكون هذه العناصر رموزًا تعكس حالة الشخصية العاطفية أو ترمز إلى عواطف مختلفة أو تمثل تناقضات داخلية.

وفي هذا المحور قامت الكاتبة بتحليل دلالة الاسم في رواية "حمار بين الأغاني"، وهو بطلة الرواية" ثائرة".. كما تناولت بالتحليل السيميائي شخصيتين في رواية" لعنة الواقف" هما ناصر، وقبول؛ مركزة على أبعاد، ودلالات هذه الأسماء في سياق العمل الأدبي، وسياقات السرد الروائي .


▦ المحور الرابع : سيمياء البناء الداخلي والخارجي للشخصيات.

البناء الداخلي لسيمياء الشخصيات يتعلق بتصوير الجوانب النفسية، والعاطفية والعقلية للشخصية؛ حيث يتم التعبير عن ذلك من خلال الأفكار، والمشاعر والتصرفات الداخلية للشخصية، ومكونات شخصيتها مثل الصراعات الداخلية، والرغبات الخفية. وقد يتناول بعض النقاد العناصر الرمزية مثل الألوان والرموز الدلالية؛ لتوضيح، وتعميق البناء الداخلي للشخصية.

أما البناء الخارجي للشخصيات، فيتعلق بالوصف الظاهري للشخصية ومظهرها الخارجي، وسلوكها الظاهر للآخرين؛ فيشمل الوصف الجسدي للشخصية مثل الشكل البدني، وتفاصيله المرئية، واللباس، والتصرفات الظاهرة. ويمكن للدارس، أو الناقد استخدام الرموز المرئية والتشابهات البصرية أيضاً؛ لإبراز الجوانب الخارجية للشخصية؛ لإضفاء الطابع الفردي للشخصية المدروسة .

وفي هذا المحور من كتاب د. عائشة المزيجي، كانت شخصية رواية "حمار بين الأغاني" (ثائرة) هي نموذج التناول؛ حيث " بدا اسم ثائرة دالًا له مدلول، بعدة مظاهر للكبت منها: لبسها بجامة النوم وهي شابة في مقتبل العمر، في سياق تتبدى فيه قسوة علي جبران أحد أسباب ثورتها.." (ص48)

كما "يصرح الراوي العليم بهذه الرؤية بما يتوقع القول فيها، وهو أنها تبحث عن وطرها أوأنها امرأة منحرفة" (ص49).

وحتى تثبت الناقدة دلالة "الكبت الاجتماعي" لثائرة استدلت بعدد من السياقات السردية؛ لتثبت حكمها المنهجي، منها "كشفها لجزء من جسدها أثناء حوارها مع الغلام..." (ص51)، وغيرها من السياقات.

ومن دلالات الكبت الجماعي في الرواية، استدلت المؤلفة بموقف "كبش" الذي صور ثائرة- دون علمها- عددا من المرات وهي في أوضاع غير محتشمة، بكاميرته الزوم..


▦ المحور الخامس : سيمياء المكان

المقصود بسيمياء المكان في الرواية توظيف الأماكن، والمواقع الجغرافية كرموز ، لنقل معانٍ إضافية وإيصال رسائل في العمل الأدبي.

يمكن أن تكون للمكان في الرواية دلالات رمزية متعددة. قد يكون المكان رمزًا للذكريات الشخصية للشخصيات، أو يرمز إلى حالات نفسية معينة، أو يعكس التناقضات الثقافية، أو الاجتماعية، أو يعكس مفاهيم مثل العزلة، أو الحرية، أو البحث عن الهُوية، أو حتى مفهوم الرغبة الجنسية. أيضاً يساهم وصف المكان في خلق روابط بين الشخصيات، والأحداث، التي ترتبط بالمكان ارتباطا وثيقاً .

وفي التحليل السيميائي، يمكن تصنيف الأماكن إلى عدة أنواع لعكس الدور الرمزي والدلالي الذي تلعبه في العمل الأدبي.

وفي المحور (الأخير) من كتاب، د.عائشة صنفت المؤلفة المكان إلى مفتوح، ومغلق، وكان مجال الدرس فيه رواية (حمار بين الأغاني) بشخصية ثائرة" فتعددت مسارات المكان في المقاطع السردية من المغلق إلى المفتوح المغلق؛ كمفهوم يحمل مسكوت النص، وكان تكرار المكانين على مدى قصة ثائرة؛ وصولاً إلى تيمة انغلاق عالم الشخصية وتكوين فضائها السوداوي، من سلبية مفهوم الأماكن، والشخصية التي تؤدي دوراً تيماتيكياً- دور المكبوت الواقع تحت التسلط- يعزز دال اسم ثائرة" ..(ص45)

.................. ..

بطاقة الكتاب :

- العنوان : قراءة سيميائية في نماذج من الرواية اليمنية .

- المؤلفة : عائشة عبدالله ناصر المزيجي.

المقاس: قطع متوسط.

- الصفحات : (63) صفحة .

- دار النشر: عناوين بوكس، القاهرة.

الطبعة الأولى: 2023.

٣٥ مشاهدة٠ تعليق

Comments


bottom of page