بحث
  • Books عناوين

"مائل خصر المدى".. نصوص تتمرد على لغة الإبلاغ النسقية، وجهازية التلقي

عناوين بوكس/ هشام شمسان:



عن سلسلة منشوراتها الثقافية، والأدبية، صدر في القاهرة عن دار " عناوين بوكس" الديوان الشعري الأول، للأديب، والشاعر اليمني المبدع " زيد عبد الباري سفيان" ، والذي حمل عنوان " مائل خصر المدى" .


زيد عبد الباري، وإن كان هذا أول ديوان شعري له؛ إلا أنه أصدر قبل ذلك عددًا من العناوين القصصية، وله، في هذا المجال، خمس مجموعات قصصية، تتنوع مابين القصة القصيرة، والقصيرة جدا، ويكتب النمط السردي الحديث بأسلوب مبدع، ومتميز ؛ ناهيك عن كونه كاتبا للمقالة السياسية، والاجتماعية، والفكرية "التي تعني بالإنسان، وقضايا الحرية، والعدل، والديمقراطية في اليمن".


ولأن زيد عبد الباري مبدع في كل ماسبق؛ فهو متمكن جدا من كتابة الشعر الحديث، كذلك، وشاهدنا هو هذا الديوان الذي يحتفي بـ(قصيدة النثر)، أو لنقل (الشعر الحر) كما اصطلح على تسميته .

"الشعر الحر" ليس هو قصيدة التفعيلة، كما قد يلتبس على البعض، وإنما جاء هذا المصطلح بديلا عن مصطلح" قصيدة النثر" التي تعود نشأتها، وبداياتها إلى فرنسا، أوائل القرن الماضي، ويعد "بودلير" رائدها الأول، كما يعد الشاعر العربي" أدونيس" أحد روادها الكبار، على مستوى الوطن العربي .


○ تميل "قصيدة النثر (الشعر الحر) إلى التحرر من البنية الصوتية، القائمة على الإيقاع الموسيقي الخارجي، كما في الشعر البيتي، والتفعيلي، وتستعيض عن ذلك بالبنية الإيقاعية الداخلية للكلمات، والجمل، والفقرات، وقائمة على الوحدة العضوية، والتكثيف الدلالي .


○ تتكئ "قصيدة النثر" - كما نلاحظ في نصوص الشاعر زيد عبد الباري- على الوجود اللغوي المكثف؛ معتمدة على جدلية التأويل المفتوح، والنهايات المفتوحة، ابتداء من العنونات العتباتية كما في : توهان النهر، افتراس الحافة، الحزن يتنصت، نوافذ ممزقة، مفرط في البوح، عصف مأكول، نجيع المسافات، منتهى السكرة، غيم في ملاعب الريح ، وغيرها ..وانتهاء بالنصيات الداخلية، كما في "ذؤابــات" :

في الجادة/ نلملم الندى المتفصد/ في جبين السفر/نسقي عروق الضوء/النابت في رغيف القمر/ فمن دس في الطريق/ هذي الاستدارة، والمنحدر ...(ذؤابـات) .

فمثل هذا النص، وغيره، قائم في معماريته على جدلية مفتوحة التأويل، ولا نهائية المعنى، وليس على قصدية المكتوب، والبنائية المغلقة؛ لارتكازه على نـوىً نصية مكثفة المعنى، وعالم النص الدلالي الداخلي يقوم على التجاذبات، والتعالقات، والتخيل اللا محدود، فهو عالم متجدد، متغير، متناقض. عالم يقع جُـلُّـه مابين الوعي، والحلم، ومابين الكشف، وصدام الأشياء المتولدة عنه كالتشظي، والتوهج، والمدرك، واللا مدرك .


○ لنعاين هذه النصية، أيضا:

هذه المساءات تتكاثر / ترتص طوابير/ في حلوق الطريق المسافر/ تقف على بعد خطوة/ من شهقة الصبح/ تتجرع الضوء، وتذوي/ تختبئ في مسامات الألم ...
إنها ذهنية الاتحاد بالمجردات من الأشياء من حول الشاعر ، وفيها نرى سيرورة الحركة المجازية عبر الجوامد، والمجردات، من الأشياء، والاتحاد بها؛ بحيث نرى كل العُـرى والصلات وثيقة بين كل آثات الكون.

○ هذا هو زيد سفيان- كما نراه في نصوصه- شاعرًا يتمرد على لغة الإبلاغ، المعروفة، ويقوم بتحويل النص إلى شيء أشبه بجداريات سريالية ، تتمرد على النسقيات المعهودة؛ بتحطيم  معجمية البلاغة الكلاسيكية، والتحرر من تقريرية اللغة، وجهازية التلقي .


لهذا كله يعتقد النقاد بأن "قصيدة النثر"  أو الشعر الحر "يعد انتصارًا لفكرة التجديد، والتجريب في الشعر العربي الحديث" ؛ لقدرة هذه القصيدة على أن تخترق جماليأت الشعرية النسقية، وتتفوق عليها في كثير من الأحيان .


الديوان يقع في (160) صفحة، ويتضمن (76) نصا شعريا، يلتقط من خلالها الشاعر كل مايقع على مستوى الوعي، والحلم، وتنحو إلى الإبجاز، والتكثيف، وانزياحات  بناء الجملة، أو الفقرة، وفيها تتعالق شعرية اللغة، بشعرية الأشياء .

النصوص تنناسب مع قراء محترفين في تذوق الشعر الحديث، كما تلائم القارئ العابر الذي لايبحث عن أغوار النصوص الفهمية، والقصدية .


○ عن الشاعر  :


زيد عبد الباري سفيان، قاص، وشاعر، وكاتب يمني، يكتب القصة القصيرة جدا، كما يكتب الشعر، وله عدد من المقالات السياسية، والفكرية المنشورة في مواقع عربية متنوعة. حصل على درجة البكالوريوس، لغة عربية، ودراسات إسلامية من جامعة صنعاء عام 1995م .

صدر له خمس مجموعات قصصية، مابين الأعوام 2018-2020 ، هي على التوالي : باقة جمر، وحين أتعثر ببعضي، وللفرح عمر واحد، وطاعن في الضوء، ومثقال قبلة، وله مجموعة قيد الطبع .

تناولت أعمالَـه القصصية عددٌ من الكتب، منها كتاب" تقنيات كتابة القصة القصيرة ، للفرح عمر واحد أنموذجا" لمؤلفه عبد الرحيم التدلاوي، وكتاب " جماليات القصة القصيرة جدا ، قصص زيد سفيان أنموذجا" لمؤلفه، الدكتور ميمون مسلك .

وهناك كتب أخرى خصصت أجزاء منها لتناول بعض اعمال زيد عبد الباري منها :"الدلالة والبنية في الخطاب السردي"، لمؤلفه، عبد المجيد بطالي، وكتاب"الرموز الميثيولوجية وأثرها في القصة القصيرة جدا، لمؤلفه، غانم عمران المعموري .

٤٣ مشاهدة٠ تعليق